كلمة وزير المالية
بمناسبة الإعلان عن التزام وزارة المالية بالنشر المنتظم للبيانات المالية
26/3/2008
السيدات والسادة،
يشرفني أن أرحب بكم، ويتملكني الفخر إذ أعلن إعادة إطلاق الموقع الالكتروني لوزارة المالية، الأمر الذي يمثل مؤشراً على النجاح في إعادة تأهيل النظام المالي الفلسطيني واستعادة مصداقيته لدى المواطن والمجتمع الدولي على حد سواء. ويسعدني القول إن هذا الإنجاز يمكنني من الالتزام أمامكم بالنشر الدوري والمنتظم لتقارير تفصيلية عن نفقات السلطة الوطنية وإيراداتها على هذا الموقع. وسوف يتم ذلك تحديداً في اليوم الخامس عشر من كل شهر. 
إن أهمية هذا الحدث تنبع أولاً من كونه خطوة جوهرية في تعزيز الشفافية في السلطة الوطنية الفلسطينية وفي الإصرار على متابعة إرساء قواعد الحكم الصالح والمساءلة، حيث سيتمكن المواطن من الاطلاع على كافة أوجه إنفاق المال العام ومصادر التمويل.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يميز هذا الإنجاز عن كثير مما سبقه هو مدى الجاهزية والمهنية التي كان لا بد من تحقيقها من أجل جعله ممكناً. فالإصلاح ليس مجرد شعار يرفع، ولا هو أمر يتحقق بمجرد توفر الإرادة على أهميتها. إنه سلسلة من الإجراءات العملية التي تتطلب درجة عالية من الكفاءة والتقدم المؤسسي. وبالتحديد، فإن نشر البيانات المالية بشكل منتظم وفي مواعيد معروفة سلفاً يتطلب بناء نظم وتطوير كوادر قادرة على الوفاء بهذا الالتزام الذي قطعناه. إن حدث اليوم هو خطوة مهمة نحو تعزيز الثقة المالية بالسلطة الوطنية، محلياً و دولياً، خاصة وأنه يأتي في أعقاب قيام عدد من الدول المانحة بتقديم الدعم المباشر لموازنة السلطة، ومنها النرويج وفرنسا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ولعل ابرز حدث في هذا المجال في الآونة الأخيرة تمثل في قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتحويل مبلغ 150 مليون دولار مباشرة لحساب الخزينة الموحد، علماً بان هذا يمثل اكبر مساعدة تتلقاها السلطة الوطنية دفعة واحدة منذ نشأتها.وبالفعل فقد ورد هذا المبلغ بكامله يوم أمس وبعد مضي أقل من أسبوع على توقيع الإتفافية الخاصة به. كما وشكل توقيعنا يوم أمس على اتفاقيةٍ مع الإتحاد الأوروبي، المانح الأكبر للسلطة، لتزويدنا بمبلغ 176 مليون يورو مؤشراً ايجابيا في نفس الاتجاه. إذ أن هذا المبلغ سيورد من خلال آلية الدعم الأوروبي الجديدة التي تضم نافذة يتم توريد المساعدات من خلالها بشكل مباشر لحساب الخزينة الموحد. وفي هذا كله رسالة ثقة لا يمكن إلا أن تكون موضع اعتزاز شعبنا في بأسره.
السيدات والسادة،
كما تعلمون، قامت وزارة المالية بين الأعوام 2003-2005 بنشر بيانات تنفيذ الموازنة شهرياً على موقعها الالكتروني. إلا أن هذا توقف خلال العامين الماضيين. وبدون الخوض في التفاصيل، نجم هذا الانتكاس بشكل رئيسي عن المقاطعة التي فرضتها الدول المانحة على الحكومة ، وما نتج عن ذلك من تشرذم في مؤسسات السلطة بما فيها وزارة المالية، وإنشاء نظم صرف موازية، وتعدد مراكز الإنفاق، واستخدام النقد في المعاملات المالية الرسمية عوضا عن الأدوات البنكية. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن هناك توثيق لكل ما ورد للسلطة من مساعدات.
ولكن منذ حزيران 2007 قمنا بإعادة تفعيل نظام حساب الخزينة الموحد وشددنا من الضبط المالي، وأصبح لدينا الآن مركز صرف واحد مرتبط مباشرة بالموازنة ، وحولنا كافة الإيرادات إلى حساب الخزينة الموحد.
واليوم، أصبحنا قادرين على إعادة إطلاق الموقع الالكتروني للوزارة على أرضية أمتن من أي وقت مضى، فقد أرسينا نظام إدارة مالي جديد يربط مصروفات كافة الوزارات مباشرة بالمخصصات المقرة في الموازنة، بحيث لن يكون بالإمكان صرف أية مبالغ تزيد عن تلك المخصصة في الموازنة. وسيغطي هذا النظام كافة المعاملات المالية والمدخولات في وزارة المالية، وسيتوسع ليشمل في المرحلة الأولى وزارات التربية والتعليم والصحة والأشغال العامة، وستقوم دائرة المحاسب العام التي نحن بصدد استحداثها في وزارة المالية بإدارة تنفيذ الموازنة وبممارسة الضبط المالي.
في الموقع الإلكتروني السابق، كانت التقارير المتعلقة بتنفيذ الموازنة تعد يدويا وتحسب من خلال تجميع العديد من الحسابات المنفصلة في وزارة المالية كالموازنة والخزينة والرواتب وبيانات البنوك. أما في ظل النظام المالي الجديد، فتعكس هذه التقارير الإيرادات والمصروفات الفعلية في كل وزارة، ورواتب الموظفين المدنيين والأمنيين، والتوظيف في السلطة الوطنية الفلسطينية، والدعم الخارجي للموازنة وأي تمويل آخر يتم أثناء الشهر. وستضمن الروابط الالكترونية بين كل من حساب الخزينة الموحد والبنوك التسوية المالية للبيانات المصرفية والمحاسبية. وسيكون من الممكن تفحص وتحليل البيانات التفصيلية لمختلف الوزارات بمجرد شمولها ضمن هذا النظام.
يعكس نظام التقارير الجديد الممارسة المحاسبية المثلى. وحيث أنه سينبع مباشرة من معاملات الموازنة الحقيقية، فإنه سيكون أكثر دقة وشفافية من النظام السابق، كما سيفسح المجال أمام إعداد التقارير الفصلية والسنوية المتعلقة بالوضع المالي على وجه السرعة مما سيقود إلى تبسيط عملية إغلاق حسابات الموازنة سنوياً. وأخيراً، سيسمح النظام الجديد بتدقيق الحسابات السنوية بشكل سريع لم يكن ممكناً في ظل النظام القديم.
لقد تطلب إعداد وتطبيق النظام المالي الجديد وتطوير الموقع الالكتروني جهداً مكثفاً وتركيزاً كبيراً في سباق مع الزمن من قبل موظفي وزارة المالية، ولهم جزيل الشكر والعرفان.
ونأمل أن يعزز إطلاق هذا الموقع الالكتروني لوزارة المالية من ثقة المجتمع الدولي بشفافية حكومتنا ومسئوليتها، وندعوه مجدداً إلى الإسهام في تقوية نظمنا المالية من خلال تحويل الدعم المالي للموازنة والمشاريع عبر حساب لخزينة الموحد.
واسمحوا لي أيتها السيدات وأيها السادة في نهاية حديثي، بأن أتوجه إلى الشعب الفلسطيني وأؤكد له بان إطلاق الموقع الالكتروني لوزارة المالية إنجاز بحد ذاته، كما أنه دليل على مدى التقدم الذي أحرزناه ونواصل تحقيقه في بناء الكفاءات وتطوير مؤسسات ونظم الحكم الرشيد.
إنه إنجاز وطني يضعنا في مصاف أكثر الدول تقدماً في مجالات الشفافية والمساءلة والإدارة المالية السليمة، إنجاز يحق لكل فلسطيني أن يفاخر به العالم أجمع.
وان هذا الأمر يترافق مع عمل دؤوب لسلسلة من الإصلاحات الجدية الأخرى على صعيد الإدارة والحكم الرشيد في كافة المجالات بما في ذلك في مجالي الأمن والاقتصاد، وبما يمكن شعبنا من الاستثمار الأفضل لموارده وتوفير أسس العدالة والكفاءة والمهنية، وتمكينه من الصمود على أرض وطنه. إضافة إلى الاهتمام الكبير ببناء المؤسسة القضائية وتطوير قدراتها، وتعزيز استقلاليتها، وبما يمكن من تعزيز الفصل بين السلطات.
الأخوات والإخوة
لقد تابع الرأي العام قضايا الأدوية الفاسدة والتهريب، وأود أن أؤكد لكم في هذا المجال أن السلطة الوطنية الفلسطينية، ستتابع هذه القضايا حتى النهاية وستأخذ العدالة مجراها الكامل. إضافة إلى ذلك فإنني أؤكد التزام الحكومة بالعمل على المحاسبة الصارمة في هذه القضايا. كما أننا سنستخلص العبر وسنتابع عملية الإصلاح الجذرية للأجهزة والمؤسسات المسؤولة عن متابعة هذه الأمور وبما يضمن أولا وأخيرا صحة المواطنين وحماية الاقتصاد الوطني.
إن ما نقوم به الآن يرسخ أسس وملامح الدولة الفلسطينية التي نتطلع إليها. فإذا أردنا أن نؤسس دولة متقدمة بمستوى التضحيات التي بذلها شعبنا الفلسطيني على مدى العقود، فإن علينا جميعاً أفراداً ومؤسسات وحكومات متعاقبة بأن نحافظ على هذا الانجاز وغيره من خطوات إصلاحية. فذلك سيزيد من قوتنا، وسيُدعّم حقنا السياسي والأخلاقي في الاستقلال بمؤسسات ونظم حكم تحول السعي إلى الدولة من شعار سياسي إلى واقع ملموس، بحيث نضع العالم أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها تتجلى بمؤسسات حكم ديمقراطية قابلة للحياة والاستدامة وخالية من الفساد وسوء الإدارة، مؤسسات قوية وقادرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين وحماية حقوقهم وأمنهم وتعزيز قدرتهم على الصمود لانجاز أهداف شعبنا الوطنية وفي مقدمتها حقه في الاستقلال والحرية وتقرير المصير.
وختاماً أقول: وزارة المالية على موعد معكم في الخامس عشر من كل شهر.
هذا وعد وهذه أمانة أودعها في وعي ووجدان كل مواطن فلسطيني للمحافظة عليها وصونها.